الغزالي

75

إحياء علوم الدين

فإنه قد كان معمورا قبلي ، وكذلك يكون بعدي . ولو مت لم تنهدم أركان الإسلام فإن الدين مستغن عنى . وأما أنا فلست مستغنيا عن إصلاح قلبي . وأما أداء ذلك إلى اندراس العلم فخيال يدل على غاية الجهل ، فإن الناس لو حبسوا في السجن ، وقيدوا بالقيود ، وتوعدوا بالنار على طلب العلم ، لكان حب الرئاسة والعلو يحملهم على كسر القيود ، وهدم حيطان الحصون ، والخروج منها ، والاشتغال بطلب العلم . فالعلم لا يندرس ما دام الشيطان يحبب إلى الخلق الرئاسة ، والشيطان لا يفتر عن عمله إلى يوم القيامة ، بل ينتهض لنشر العلم أقوام لا نصيب لهم في الآخرة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم » [ 2 ] « وإنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر » . فلا ينبغي أن يغتر العالم بهذه التلبيسات فيشتغل بمخالطة الخلق . حتى يتربى في قلبه حب الجاه والثناء والتعظيم ، فإن ذلك بذر النفاق . قال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « حبّ الجاه والمال ينبت النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر إفسادا فيها من حبّ الجاه والمال في دين المرء المسلم » ولا ينقلع حب الجاه من القلب إلا بالاعتزال عن الناس ، والهرب من مخالطتهم ، وترك كل ما يزيد جاهه في قلوبهم . فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه ، وفي استنباط طريق الخلاص منها ، وهذه وظيفة العالم المتقي . فأما أمثالنا فينبغي أن يكون تفكرنا فيما يقوى إيماننا بيوم الحساب ، إذ لو رآنا السلف الصالحون : لقالوا قطعا إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب ، فما أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة والنار ، فإن من خاف شيئا هرب منه ، ومن رجا شيئا طلبه ، وقد علمنا أن الهرب من النار بترك الشبهات والحرام ، وبترك المعاصي ، ونحن منهمكون فيها ، وأن طلب الجنة بتكثير نوافل الطاعات ، ونحن مقصرون في الفرائض منها ، فلم يحصل لنا